علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

10

البصائر والذخائر

الحكماء على عادة الفضلاء ، احتاج ضرورة إلى تقديم العناية بأصول [ هي ] الأساس ، وحفظ فصول هي الأركان ، ولن ينفعه « 1 » تقديمها دون إحكامها ، كما لا يجدي عليه حفظها دون عرفانها . فمن أوائل تلك العناية جمع بدد الكلام ، ثم الصبر على دراسة محاسنه ، ثم الرياضة بتأليف ما شاكل كثيرا منه ، أو وقع قريبا إليه ، وتنزيل ذلك على شرح الحال ألّا يقتصر على معرفة التأليف دون معرفة حسن التأليف ، ثم لا يقف مع اللفظ وإن كان بارعا رشيقا حتى يفلي المعنى فليا ويتصفّح المغزى تصفّحا ، ويقضي من حقّه ما يلزم في حكم العقل ليبرأ من عارض سقم ، ويسلم من ظاهر استحالة ، ويتعمّد حقيقته أولا ثم يؤسّسه « 2 » ثانيا ليترقرق عليه ماء الصّدق ، ويبدو منه لألاء الحقيقة ؛ ولن يتمّ ذلك حتى يجنّبه غريب اللفظ ووحشيّه ، ومستكرهه وبدويّه ، ويزلّ عن ربوة ذي العنجهيّة وأصحاب اللّوثة وأرباب الجعظرة « 3 » ، بعد أن يرتقي عن مساقط العامّة في هجر كلامها ومرذول تأليفها ؛ وبعض بني أسد يقول : [ الطويل ] وإنّي على ما كان من عجرفيّتي * ولوثة أعرابيّتي لأديب « 4 » أما ترى هذا الأعرابيّ كيف يميّز بين المطبوع والمتكلّف باعترافه أنّ فيه عجرفية ولوثة ، هذا وهو معذور في ذلك لأنّه يجري منه على عرق سليم من الأبن « 5 » ، ولسان مفتوق على اللّسن ، وسليقة مصحوبة بالفطن . فما ظنّك بعد هذا بغيره ممّن لا يقيم حرفا إلا على تحريف ، ولا يروي كلمة إلا على تصحيف ، ويأنف من مسألة من شفاؤه عنده ، وكماله بيده ، وبرؤه بطبّه ؟

--> ( 1 ) ح : ينفعها . ( 2 ) كذا في ح . ( 3 ) ح : العطهرة ؛ والجعظرة فعل الجعظري وهو المتنفّج المتكبر الجافي عن الموعظة . ( 4 ) العجرفة والعجرفية : جفوة في الكلام ؛ والبيت في أدب الخواص : 115 للوزير المغربي ، وقبله : وإني لأهذي بالأوانس كالدمى * وإني بأطراف القنا للعوب ( 5 ) الأبن : جمع ابنة وهي العقدة .